محمد بن جرير الطبري
79
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الوجوه منابت الشعر كهيئة وجوه القردة ، فقول لقول أهل التأويل مخالف ، وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين على خطئه شاهدا . وأما قول من قال : معناه : من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها فنردهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز ونجد ، فإنه وإن كان قولا له وجه كما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد ، وذلك أن المعروف من الوجوه في كلام العرب التي هي خلاف الأقفاء ، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب في كلام من نزل بلسانه حتى يدل على أنه معني به غير ذلك من الوجوه التي ذكرت دليل يجب التسليم له . وأما الطمس : فهو العفو والدثور في استواء ؛ ومنه يقال : طمست أعلام الطريق تطمس طموسا ، إذا دثرت وتعفت فاندفنت واستوت بالأرض ، كما قال كعب بن زهير : من كل نضاحة الذفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الأعلام مجهول يعني بطامس الأعلام : دائر الأعلام مندفنها . ومن ذلك قيل للأعمى الذي قد تعفي ما بين جفني عينيه فدثر : أعمى مطموس وطميس ، كما قال الله جل ثناؤه : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ قال أبو جعفر : الغراسق الذي بين الخفين فإن قال قائل : فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية ، فهل كان ما توعدهم به ؟ قيل : لم يكن لأنه آمن منهم جماعة . منهم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، ومخيرق ، وجماعة غيرهم ، فدفع عنهم بإيمانهم . ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم ، ما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة جميعا ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود ، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد فقال لهم : " يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق " فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد ، وجحدوا ما عرفوا ، وأصروا على الكفر . فأنزل الله فيهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الآية حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، عن عيسى بن المغيرة ، قال : تذكرنا عند إبراهيم إسلام كعب ، فقال : أسلم كعب في زمان عمر أقبل وهو يريد بيت المقدس ، فمر على المدينة ، فخرج إليه عمر ، فقال : يا كعب أسلم قال : ألستم تقرءون في كتابكم : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً وأنا قد حملت التوراة . قال : فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص ، قال : فسمع رجلا من أهلها حزينا ، وهو يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها الآية ، فقال كعب : يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه الآية ، ثم رجع فأتى أهله باليمن ، ثم جاء بهم مسلمين . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ يعني بقوله جل ثناؤه : أَوْ نَلْعَنَهُمْ أو نلعنكم ، فنخزيكم ، ونجعلكم قردة ، كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ يقول : كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم ، قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله : آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ كما قال : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها وقد يحتمل أن يكون معناه : من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعن أصحاب الوجوه ، فجعل الهاء والميم في قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ من ذكر أصحاب الوجوه ، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ